في البطولات الكبرى، لا يكون الفارق دائماً في عدد الأهداف، بل في اللاعب الذي يرى ما لا يراه الآخرون. وبينما تتجه الأنظار إلى الهدافين، يبرز اسمان يكتبان فصولاً مختلفة من الإبداع في كأس العالم 2026: مايكل أوليزي، جناح بايرن ميونيخ ومنتخب فرنسا، متصدر قائمة صناع الأهداف بخمس تمريرات حاسمة، وإبراهيم دياز، نجم ريال مدريد ومنتخب المغرب، الذي يلاحقه بأربع تمريرات حاسمة، ليؤكد أن صناعة اللعب أصبحت السلاح الأكثر تأثيراً في المباريات الإقصائية.
أوليزي… صانع الفوضى المنظمة
ما يميز أوليزي ليس عدد تمريراته الحاسمة فقط، بل الطريقة التي يصنع بها الفرصة. فهو لا يرسل الكرة إلى المكان الذي يقف فيه المهاجم، وإنما إلى المساحة التي سيتحرك إليها بعد جزء من الثانية.
في مباريات فرنسا، يتكرر المشهد كثيراً؛ يبدأ أوليزي بالاحتفاظ بالكرة حتى يجذب مدافعين أو ثلاثة نحوه، ثم يرسل تمريرة قطرية أو بينية تكسر أكثر من خط دفاعي دفعة واحدة. هذا النوع من التمريرات يحتاج إلى قراءة مسبقة لتحركات زملائه، وهو ما جعل فرنسا تمتلك أحد أكثر الخطوط الهجومية تنوعاً في البطولة.
كما أن أوليزي لا يعتمد على السرعة فقط، بل على تغيير الإيقاع. ففي لحظة يبدو فيها أنه سيواصل المراوغة، يرسل كرة قاتلة بلمسة واحدة، وهو ما يصعّب مهمة المدافعين الذين يضطرون للاختيار بين الضغط عليه أو مراقبة المهاجمين.
ولهذا لم يكن تصدره قائمة أفضل صناع الأهداف بخمس تمريرات حاسمة أمراً عابراً، بل نتيجة طبيعية لأسلوب لعب يعتمد على صناعة القرار قبل صناعة التمريرة.
إبراهيم دياز… العقل الذي يدير هجوم المغرب
على الجانب الآخر، يقدم إبراهيم دياز نسخة مختلفة تماماً من صانع الألعاب.
دياز لا يحتاج إلى لمس الكرة كثيراً ليؤثر في المباراة، فهو يتحرك باستمرار بين خطوط الخصم، ويجبر لاعبي الوسط على الخروج من مواقعهم، ما يخلق فراغات يستفيد منها زملاؤه.
تمريراته الأربع الحاسمة جاءت من مواقف مختلفة؛ كرات بينية، وعرضيات منخفضة، وتمريرات قصيرة داخل منطقة الجزاء، وهو ما يعكس تنوعاً كبيراً في أسلوبه. والأهم أنه لا يصنع الفرصة بطريقة متوقعة، بل يختار الحل الأقل انتظاراً بالنسبة للمدافعين.
قراءة دياز للمباراة تمنحه أفضلية كبيرة، فهو يعرف متى يبطئ الرتم، ومتى يسرّع اللعب بتمريرة واحدة فقط. ولهذا أصبح محوراً أساسياً في البناء الهجومي للمنتخب المغربي، بعدما ساهم بشكل مباشر في صناعة أربعة أهداف خلال البطولة.
مقارنة فنية
إذا كان أوليزي يمثل صانع الفرص من الأطراف، فإن إبراهيم دياز يمثل صانع القرار في العمق.
أوليزي يعتمد على العزل الفردي، ثم كسر التكتل الدفاعي بتمريرة نهائية دقيقة بعد المراوغة. أما دياز فيبني الهجمة من الداخل، ويستفيد من تحركات زملائه لخلق زوايا تمرير يصعب توقعها.
الأول يصنع الخطورة عبر التفوق في المواجهات الفردية، بينما الثاني يصنعها عبر الذكاء في التموضع وسرعة اتخاذ القرار.
ورغم اختلاف الأسلوب، فإن النتيجة واحدة: خلق فرص محققة للتسجيل بأقل عدد ممكن من اللمسات.
مفتاح التأهل
المواجهة بين المغرب وفرنسا قد لا تُحسم بمن يسجل أكثر، بل بمن ينجح في تعطيل صانع لعب منافسه.
إذا تمكن المنتخب المغربي من الحد من حرية أوليزي في استقبال الكرة بين الخطوط، فسيقل أحد أهم مصادر الإبداع الفرنسي.
وفي المقابل، إذا نجح الفرنسيون في إغلاق المساحات أمام إبراهيم دياز ومنعه من الالتفاف أو التمرير في العمق، فإن جزءاً كبيراً من خطورة المغرب سيتراجع.
لهذا تبدو المعركة التكتيكية الحقيقية بين عقلين كرويين أكثر منها بين هدافين.
وفي النهاية، قد تكون تمريرة واحدة فقط كافية لتغيير مصير المباراة، لأن أوليزي وإبراهيم دياز أثبتا طوال البطولة أن صناعة الهدف قد تكون أحياناً أكثر قيمة من تسجيله، وأن الممرر العبقري هو من يكتب النهاية قبل أن يضع المهاجم الكرة في الشباك.



